د. بدر المسكري **
تشهد الأسواق المالية حول العالم تنافسًا متزايدًا على جذب الاستثمارات، وهو ما دفع المشرّعين والجهات الرقابية إلى تبنّي منظومات قانونية وتنظيمية أكثر تطورًا، تُعلي من مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية. وتُعد حماية حقوق أقلية المساهمين إحدى الركائز الأساسية في هذا الإطار، لما لها من أثر مباشر في تعزيز الثقة بالأسواق المالية، وتهيئة بيئة استثمارية آمنة ومستقرة.
وتتجلى أهمية هذه الحماية بوجهٍ خاصٍ بالنسبة للمستثمرين الأفراد وصغار المستثمرين، الذين يسعون إلى الدخول في بورصة الأوراق المالية دون امتلاك حصص مؤثرة في رأس المال؛ إذ يرتبط قرارهم الاستثماري، في جوهره، بمدى قوة الإطار القانوني الذي يكفل حقوقهم، ويحول دون تعسف المساهمين المسيطرين أو إساءة استعمال سلطة الأغلبية داخل الشركات المدرجة.
وكلما اطمأن المستثمر الصغير إلى أن حقوقه مصونة، وأن النظام القانوني يوفر له ضمانات فعّالة في مجالات الإفصاح، والتصويت، والمساءلة، ازدادت ثقته بالسوق، وانعكس ذلك إيجابًا على حجم التداول والسيولة النقدية، وأسهم في تعزيز الاستثمار طويل الأجل. وانطلاقًا من هذه الأهمية، يسعى هذا المقال إلى إلقاء الضوء على مفهوم أقلية المساهمين، وبيان دواعي حمايتهم، واستعراض أبرز التحديات التي تعوق توفير حماية فعّالة لهم، وصولًا إلى طرح رؤية عملية تسهم في تعزيز جاذبية بورصة مسقط للاستثمارات المحلية والأجنبية.
ويقصد بـ"أقلية المساهمين" أولئك الشركاء أو المساهمين الذين يملكون نسبة محدودة من أسهم الشركة لا تخوّلهم السيطرة على تشكيل مجلس الإدارة، ولا تمكّنهم من التأثير الحاسم في القرارات الاستراتيجية الجوهرية. وتشمل هذه القرارات، على سبيل المثال: سياسات توزيع الأرباح، وإبرام الصفقات مع الأطراف ذات العلاقة، وقرارات الاندماج أو الاستحواذ، أو إجراء تغييرات جوهرية في هيكل الشركة أو رأس مالها.
وتنبع أهمية حماية هذه الفئة من كونها الأكثر عرضة للتهميش والتهشيم، لا سيما في الشركات التي تهيمن فيها أقلية مسيطرة أو مساهم رئيس على مراكز القرار. فإقرار حماية قانونية حقيقية لأقلية المساهمين يبعث برسالة طمأنة مفادها أن حقوقهم المالية والإدارية؛ بما في ذلك حقهم في الحصول على المعلومات والمشاركة الفعّالة في التصويت، محلّ احترام وضمان.
ويؤدي ذلك، بطبيعة الحال، إلى توسيع قاعدة المستثمرين، وزيادة السيولة، وتعزيز الاستقرار العام للسوق المالي.
ولا يقتصر أثر حماية حقوق أقلية المساهمين على المستثمر الفرد فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد الوطني ككل. إذ تعتمد العديد من التقارير والمؤشرات الدولية، التي تقيس مناخ الاستثمار ومستوى الحوكمة المؤسسية، على مدى فاعلية الأنظمة القانونية في حماية حقوق المساهمين، ولا سيما الأقلية منهم. وكلما اتسمت هذه الحماية بالوضوح والفعالية وقابلية الإنفاذ، تحسّن تصنيف الدولة في هذه المؤشرات، وتعززت الثقة في سوقها المالي، مما يسهم في جذب رؤوس الأموال الأجنبية ودعم النمو الاقتصادي والاستقرار المالي.
ورغم الجهود التشريعية والتنظيمية المبذولة، لا تزال حماية حقوق أقلية المساهمين تواجه عددًا من التحديات، يأتي في مقدمتها الطابع العام لبعض النصوص القانونية المنظمة لهذه الحماية. فعلى سبيل المثال، تنص المادة (15) من مبادئ حوكمة الشركات المساهمة المقفلة الصادرة بالقرار الوزاري رقم (5/2025) على أن من مهام العضو المستقل «الحفاظ على حقوق صغار المساهمين»، وهي صياغة تتسم بالعمومية ولا ترقى إلى مستوى الالتزام القانوني المحدد؛ إذ لم يبيّن النص ماهية الحقوق المقصودة، وما إذا كانت حقوقًا مالية أو إدارية أو متعلقة بالمشاركة في اتخاذ القرار، كما لم يحدّد الوسائل العملية التي يتعيّن على العضو المستقل اتباعها لتحقيق هذه الحماية، مثل: إبداء اعتراضات مسببّة على القرارات التي تنطوي على تعسف، أو إثبات التحفظات في محاضر اجتماعات مجلس الإدارة. ويُضاف إلى ذلك أن بعض المفاهيم القانونية المرتبطة بحماية الأقلية، كتعـارض المصالح أو إساءة استعمال السلطة، تُترك في كثير من الأحيان لتقدير القضاء دون وضع معايير تشريعية واضحة، فضلًا عن غياب جزاءات قانونية صريحة تترتب على الإخلال بهذه الحقوق.
عمليًا.. تبرز صعوبات أخرى لا تقل أهمية، من بينها ضعف إنفاذ القواعد القانونية، وارتفاع تكاليف التقاضي، وطول أمد الفصل في المنازعات، وهو ما يدفع المساهم الصغير إلى العزوف عن المطالبة بحقوقه. كما أن هيمنة كبار المساهمين على الجمعيات العامة قد تؤدي، في الواقع العملي، إلى إفراغ حقوق الأقلية من مضمونها، وتحويلها إلى حقوق شكلية تفتقر إلى الفاعلية.
وتتفاقم هذه التحديات في أوقات الأزمات المالية، حيث تضطر مجالس الإدارات إلى اتخاذ قرارات مصيرية تمس جوهر حقوق المساهمين، مثل الاندماج أو الاستحواذ أو إعادة هيكلة رأس المال. وغالبًا ما تُتخذ هذه القرارات في ظروف استثنائية، قد تفضي إلى الإضرار بأقلية المساهمين من خلال تقييمات غير عادلة للأسهم، أو فرض صفقات لا تراعي مصالحهم بصورة كافية.
ومن ثم، فإنَّ تحقيق حماية فعّالة لأقلية المساهمين يقتضي اعتماد مقاربة شاملة ومتكاملة. فعلى المستوى التشريعي، يتعين تطوير القوانين واللوائح القائمة، وإدخال نصوص أكثر دقة ووضوحًا تُحدّد حقوق أقلية المساهمين وآليات حمايتها، وتقر جزاءات رادعة في مواجهة المخالفات، مع تعزيز صلاحيات الجهات الرقابية للقيام بدورها الوقائي والعلاجي.
أما على صعيد الحوكمة، فينبغي تمكين الأعضاء المستقلين من أداء دورهم الرقابي على نحو فعّال، وتعزيز مشاركتهم في اللجان الرئيسة داخل مجالس الإدارة، ولا سيما لجان المراجعة والترشيحات.
ومن الجانب القضائي، يُستحسن إتاحة مسارات سريعة وفعّالة لتسوية منازعات المساهمين، وتوسيع نطاق الوسائل البديلة لحل النزاعات، فضلًا عن دعم المبادرات الرامية إلى إنشاء جمعيات تُعنى بحماية حقوق أقلية المساهمين. وتذهب بعض التشريعات المقارنة إلى منح القضاء سلطة التدخل لحماية حقوق الأقلية متى ثبت تعسف الأغلبية أو استخدام سلطتها لتحقيق أغراض غير مشروعة أو الإضرار بحقوق الأقلية دون مبرر تجاري حقيقي.
ختامًا.. إنَّ تعزيز الاستثمار في بورصة مسقط يُعد خيارًا استراتيجيًا لدعم التنويع الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال، وتمثل حماية حقوق أقلية المساهمين أحد أهم المفاتيح لتحقيق هذا الهدف. فكلما توفرت حماية قانونية فعّالة للمستثمر، ازدادت ثقته بالسوق، واتسعت مشاركته، وارتفع مستوى السيولة والاستقرار. وعليه، فإن حماية أقلية المساهمين ليست ترفًا تشريعيًا؛ بل ضرورة اقتصادية ومؤسسية لتعزيز تنافسية بورصة مسقط وترسيخ مكانتها على المستويين الإقليمي والدولي.
** كلية الحقوق، جامعة السلطان قابوس
